الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

454

المنقذ من التقليد

لا ينتهي إلى التباين العظيم الذي ينقض العادة . على أنّ الفصحاء والبلغاء الذين كانوا في ذلك العهد ، كانوا معروفين ، وكلّهم كانوا في حيّز أعدائه ومنحرفين عنه ، لأنّ الأعشى الكبير الذي هو في الطبقة الأولى ومن أشبهه ماتوا على كفرهم وخروجهم عن الإسلام . وكعب بن زهير ، وهو من الطبقة الثانية ، أسلم في آخر الأمر ، وكان في زمان كفره أشدّ الناس عداوة للإسلام وأهله . وأسيد بن ربيعة والنابغة الجعديّ من الطبقة الثالثة أسلما بعد زمان طويل ومع ذلك لم يحظيا في الإسلام بطائل . وبعد ، فإنّ المتقدّمين في كلّ صناعة لا يجوز أن تخفى حالهم ومعرفتهم بمجرى العادة فكان يجب أن يرجعوا حين تحدّوا بالمعارضة وطولبوا بها إلى من يعلمونه متقدّما في الفصاحة ، فإذا رأوا منهم امتناعا علموا أنّهم واطئوه ، فحينئذ كانوا يوافقونه عليه وينكبونه « 1 » بها ويسقطون بذلك الحجّة عن نفوسهم ، ومعلوم أنّهم لم يفعلوا ذلك . ثمّ يقال للسائل : هذا الذي أوردته يقتضي أن لا يقطع على تقدّم أحد في صناعة أصلا والبتة ، ولا على أنّه أفضل أهل زمانه ، لأنّ غاية ما يعلم به تقدّمه وفضله أنّ يتحدّى أهل زمانه ولا يعارضوه . فإذا جازها ذكرته من التواطي لم يبق طريق يقطع به على ما ذكرناه ، وذلك فاسد . فإن قيل : ألستم تروون عن نبيّكم انّه قال : « أنا افصح العرب » ، وتقولون : « إنّه كان صادقا فيما قال ، فجوّزوا أن يكون القرآن كلامه ، وأنّه إنّما تأتى منه ما تعذّر على غيره من الكلام الفصيح الذي هو القرآن ، لتقدّمه في الفصاحة أو لأجل أنّه تعمّل ذلك في زمان طويل ، فلم يتمكّنوا من معارضته في زمان قصير ثمّ شغلهم عنها بالحرب .

--> ( 1 ) م : ويبكتونه .